الشيخ محمد حسين الحائري
343
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
ما ذكروه ظنية وهي لا تصلح لمعارضة ما ذكرناه من الدليل القطعي فلا بد من تأويلها وصرفها عن ظاهرها وأما التخصيص أو تنزيلها منزلة الغالب أو يجعل بعثة الرسول مجازا عن مطلق إتمام الحجة أو يجعل الرسول أعم من الرسول الظاهري والباطني كما يرشد إليه ما ورد من أن لله حجتين حجة في الباطن وهو العقل وحجة في الظاهر وهو الرسول وهذا الجواب عندي غير مستقيم على إطلاقه وذلك لان استلزام الحكم العقلي للحكم الشرعي واقعيا كان أو ظاهريا مشروط في نظر العقل بعدم ثبوت منع شرعي عنده من جواز تعويله عليه ولهذا يصح عقلا أن يقول المولى الحكيم لعبده لا تعول في معرفة أوامري وتكاليفي على ما تقطع به من قبل عقلك أو يؤدي إليه حدسك بل اقتصر في ذلك على ما يصل مني إليك بطريق المشافهة أو المراسلة أو نحو ذلك ومن هذا الباب ما أفتى به بعض المحققين من أن القطاع الذي يكثر قطعه بالامارات التي لا يوجب القطع عادة يرجع إلى المتعارف ولا يعول على قطعه الخارج منه فإن هذا إنما يصح إذا علم القطاع أو احتمل أن يكون حجية قطعه مشروطا بعدم كونه قطاعا فيرجع إلى ما ذكرناه من اشتراط حجية القطع بعدم المنع لكن العقل قد يستقل في بعض الموارد بعدم ورود منع شرعي لمنافاته لحكمة فعلية قطعية وقد لا يستقل بذلك لكن حينئذ يستقل بحجية القطع في الظاهر ما لم يثبت المنع والاحتجاج بالآية على تقدير دلالتها إنما يقتضي منع حجية القسم الثاني والجواب المذكور إنما يقتضي منع دلالتها على القسم الأول الثاني الأخبار الدالة على أن لا تكليف إلا بعد بعث الرسل ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وما دل على أنه على الله بيان ما يصلح الناس وما يفسدهم وأنه لا يخلو زمان عن إمام معصوم ليعرف الناس ما يصلحهم وما يفسدهم وما دل على أن أهل الفترة وأشباههم معذورون وما رواه الكليني في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال بني الاسلام على خمسة أشياء إلى أن قال أما إن رجلا لو قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الايمان وقوله عليه السلام كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي فإن المستفاد منه دخول ما لا نص فيه في المباح مطلقا والجواب أما عن الأول فبأن نفي التكليف قبل البعثة كما يصدق بثبوت زمان لا تكليف فيه على المكلفين الموجودين فيه كذلك يصدق بعدم خلو زمان من البعثة بل الثاني هو المتعين لما تحقق عندنا بالأخبار المستفيضة بل المتواترة من أنه لم يخل زمان عن وجود نبي أو وصي والبينة لا تختص ببيان الرسل بل يتناول بيان العقل أيضا لا سيما بعد تقرير الرسل على حجيته ومع الاغماض عن ذلك فغاية ما يلزم عدم ترتب الهلاك والحياة على مدركات العقل قبل كمال وضوح الحجة بتأكيد السمع وهما أخص من ترتب العقاب والثواب المستلزم لتحقق الحرمة والوجوب وأما عن الثاني والثالث فبأن وجوب البيان والتعريف لا ينافي ثبوت التكليف بدونهما حيث يستقل بإدراكه العقل ويمتنع من وقوع البيان والتعريف أو وصولها مانع فيكون البيان والتعريف فيما يستقل به العقل تأكيدا لا تأسيا مع أن بيانه تعالى كما يصدق ببيان أنبيائه وحججه كذلك يصدق ببيان العقل إذ يكفي في إضافة بيان العقل إليه تعالى كونه مقدرا إياه من الوصول والادراك كما يكفي مثله في إضافة بيان أنبيائه وحججه إليه وأما عن الرابع فبأن معذورية أهل الفترة لا تدل على عدم حجية مدركات العقل لجواز قصور عقول أهلها عن الاستقلال بإدراك شئ من الاحكام إما لقصورها في حد ذاتها أو لعدم إلفها بالشريعة ومجرد احتمال إدراكهم لبعض الاحكام لا يكفي في صحة الاستدلال وأما عن الخامس فبأن المتبادر من أعماله الأعمال المذكورة سابقا من الصوم والصلاة والصدقة والحج لظهور الإضافة في العهد وظاهر أن ليس للعقل مدخل في ذلك مع أن المدار ليس على مشاهدة الدلالة والحضور عند وقوعها بل على الاطلاع عليها ولو بما يكشف عنها كالخبر والاجماع ولا ريب أن العقل أيضا كذلك فإنه إذا كشف عن الواقع كشف عن وقوع دلالة الولي إليه فإذا عمل به من حيث كونه دالا إليه كان عملا بدلالته على أن نفي الثواب لا يستلزم نفي العقاب ويكفي ثبوته في إثبات حقيقة الوجوب والتحريم وأما عن الرواية الأخيرة فبأن الظاهر منها إباحة كل شئ جهل حكمه بدليل قوله حتى يرد فيه نهي فإن التقييد بغاية ورود النهي لا يلائم ما علم ورود النهي فيه ابتدأ مع أن ورود النهي أعم من وصوله بطريق السمع فيتناول ما إذا ورد النهي واستكشفنا عنه بالعقل كما أنه يتناول ما إذا ورد واستكشفنا الإباحة عنه بالاجماع والضرورة على أن الشئ ظاهر في الفعل والنهي ظاهر في طلب تركه فتدل الرواية على بقاء الشئ على وصف الاطلاق وإن ورد أمر به وهذا غير مستقيم فلا بد من تقييد الشئ بما لا يحتمل الوجوب فلا يتم الدلالة على تمام المدعى و يمكن تعميم النهي إلى النهي عن الترك فيتناول القسمين ولكنه بعيد نعم هذا الاشكال لا يتجه على رواية الشيخ فإن فيها أمرا أو نهيا وقد يجاب بأن ورود النهي أعم من وروده بالعقل أو الشرع هو بعيد نعم لا يبعد أن يقال المفهوم عنه عرفا الأشياء التي لا يستقل العقل بإدراك حرمتها أو هو قريب إلى ما ذكرناه ثم من المتأخرين من بالغ في توجيه الاستدلال والرواية فنزلها تارة على الاخبار على أن المعنى كل ما لم يرد من الشارع منع فيه ولم يصل إلينا فلا يحكم عليه بالمنع الشرعي وإن منع منه العقل لعدم إدراك العقل للعلة المقتضية لحكم الشرع فيبني على